أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

27

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

وفيها أقوام فقاتلوهم . فظفر بهم أصحاب الإسكندر ، فأتوه بهم فلم يعرف أحد من حاشية الإسكندر - على كثرتهم واختلاف أجناسهم - لغة أولئك ، ولا هم يعرفون لغة غيرهم . فأشار بعض الحكماء أن يزوج من نسائهم لرجال هؤلاء ، ومن رجالهم بنسائهم . ففعل . فنشأت الأولاد بينهم تعرف بلغة آبائها وأمهاتها ، فحدّثوا عنهم بأن ملكهم أرسلهم فيما أرسل فيه / الإسكندر . وقال الراغب « 1 » : إشارة إلى اختلاف اللغات واختلاف النغمات فإنّ لكل إنسان نغمة مخصوصة ، يتميّزها السمع ، كما أنّ له صورة مخصوصة يتميّزها البصر . قوله تعالى : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي « 2 » ، المراد قوة لساني ، يعني جودة الكلام وقوة الخطاب . قال الراغب : فإنّ العقدة لم تكن في الجارحة ، وإنما كانت في قوته التي هي النطق به . قلت : وهو الظاهر إلا أن المفسرين نقلوا أنه لما وضع فرعون بين يدي موسى عليه السّلام تمرة وجمرة ليختبره في قصة جرت ، أخذ الجمرة فوضعها في فمه ، فاحترق لسانه ، فكان فيه أثر أثّر في كلامه . ولذلك قال موسى عليه السّلام في حقّ أخيه هارون : هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً « 3 » . وقال فرعون : وَلا يَكادُ يُبِينُ « 4 » . فسأل عليه السّلام إزالة ذلك الأثر المؤثر . واللسان يذكّر ويؤنّث ؛ فإن ذكر جمع على الألسنة ، نحو حمار وأحمرة . وإن أنث جمع على ألسن ، نحو عقاب وأعقب . قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ « 5 » أي بلغتهم ليفهموا عنه ما يخاطبهم به فيراح عليهم . فإن قيل : فنبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم أرسل إلى العجم والعرب مع اختلاف لغتهم فقد أرسل بلسان العرب لأعمّ من العرب ، فالجواب أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يبعث إلى قومه

--> ( 1 ) المفردات : 450 . ( 2 ) 27 / طه : 20 . ( 3 ) 34 / القصص : 28 . ( 4 ) 52 / الزخرف : 43 . ( 5 ) 4 / إبراهيم : 14 .